المنصوري : 01-09-2026 | The Verificat + مصادر ميدانية
هدم منازل وقصف مدفعي في أكثر من نقطة
شهد جنوب لبنان مساء الثلاثاء تصعيداً ميدانياً جديداً مع تنفيذ القوات الإسرائيلية عمليات هدم لمنازل في بلدة المنصوري في قضاء صور، بالتوازي مع قصف مدفعي طال بلدات حدودية أخرى، في تطور يعيد الملف الأمني إلى صدارة المشهد بعد ساعات من نقاشات سياسية ودبلوماسية حول مستقبل التهدئة وآليات تثبيت الاستقرار جنوب البلاد. وبحسب تقارير ميدانية نشرتها وسائل إعلام لبنانية، استخدمت القوات الإسرائيلية جرافة لهدم منازل في حي الرباح داخل المنصوري، بينما تعرضت البلدة نفسها لقصف مدفعي مرتين على الأقل خلال اليوم، كما طالت نيران المدفعية مناطق في حولا وميس الجبل.
الحدث يكتسب أهمية إضافية لأن عمليات الهدم ليست مجرد تبادل نار عابر، بل تؤثر مباشرة في قدرة السكان على العودة إلى منازلهم وعلى مسار إعادة الإعمار. فالمنزل الذي يُهدم اليوم يتحول غداً إلى ملف تعويض وسكن بديل ومسح هندسي وإزالة ركام وربما إزالة ذخائر غير منفجرة. وفي بلد يعاني أصلاً من ضيق مالي حاد، يصبح كل توسع في حجم الأضرار عبئاً إضافياً على الدولة والبلديات والأهالي.
كما أن القصف المتزامن على أكثر من بلدة يرفع المخاوف من اتساع نطاق الحوادث الميدانية حتى من دون تحولها إلى مواجهة شاملة. المناطق الحدودية تعيش منذ أشهر على إيقاع متقطع بين الهدوء والحوادث الأمنية، وهو نمط يعرقل عودة الحياة الاقتصادية الطبيعية ويمنع المزارعين من التخطيط لمواسمهم ويزيد كلفة التأمين والنقل والخدمات الأساسية.
التصعيد يضغط على ملف العودة وإعادة الإعمار
من الناحية الإنسانية، تبرز المنصوري مثالاً واضحاً على المشكلة الأوسع في الجنوب. كثير من العائلات تحاول العودة إلى بلداتها أو البقاء قريبة منها، لكن أي موجة جديدة من الهدم أو القصف تعيد طرح سؤال الأمان الفعلي. العودة لا تعني فقط فتح الطريق إلى القرية، بل تحتاج إلى منزل قابل للسكن، مياه وكهرباء، مدرسة، مركز صحي، وقدرة على التنقل من دون خطر مستمر.
عمليات الهدم تغير كذلك طبيعة احتياجات البلديات. البلدة التي تتعرض لقصف محدود قد تحتاج إلى إصلاحات سريعة، أما هدم منازل بالجرافات فيعني انتقالها إلى مرحلة إعادة بناء كاملة، مع ما يتطلبه ذلك من خرائط ملكية وتراخيص وتمويل ومواد بناء ومقاولين. وفي الجنوب، حيث ترتبط أجزاء واسعة من الاقتصاد بالزراعة والتجارة الصغيرة والتحويلات، فإن خسارة المنزل قد تعني أيضاً خسارة مخزن أو ورشة أو مصدر دخل.
ولا تظهر كل التداعيات في الساعات الأولى. تضرر الطرق الفرعية أو شبكات المياه أو الأعمدة الكهربائية قد لا ينتج صوراً كبيرة في الأخبار، لكنه يحدد ما إذا كان السكان يستطيعون البقاء فعلياً. لذلك فإن أي تقييم جدي للخسائر يحتاج إلى مسح هندسي وبلدي مفصل، لا مجرد عدّ المنازل التي دمرت.
الشق القانوني والسياسي حاضر بقوة
سياسياً، يأتي التصعيد بينما تطالب الدولة اللبنانية بوقف الخروقات والعمليات العسكرية وتؤكد تمسكها بسيادتها وبتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، فيما تقول إسرائيل إن تحركاتها مرتبطة باعتبارات أمنية ومنع إعادة بناء قدرات عسكرية قرب الحدود. وبين الروايتين، يبقى المدنيون والبنية العمرانية الطرف الأكثر تعرضاً للكلفة المباشرة.
من الناحية القانونية، يخضع تدمير الممتلكات المدنية لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا يكفي وصف منطقة ما بأنها ذات طابع عسكري لتبرير أي عملية تدمير على نحو تلقائي. في المقابل، تتطلب كل حادثة توثيقاً دقيقاً للهدف والظروف والوجود العسكري المفترض وطبيعة الضرر. هذه التفاصيل ستكون مهمة إذا دخلت الملفات لاحقاً في مسارات تعويض أو مساءلة أو تفاوض.
الجيش اللبناني والبلديات والأجهزة المختصة يجدون أنفسهم أيضاً أمام تحدي التعامل مع مناطق قد تحتوي على ذخائر أو أجسام مشبوهة. كل عملية قصف جديدة تعني ضرورة إعادة المسح وتأخير عودة السكان، وهو ما يضيف بعداً أمنياً طويلاً حتى بعد توقف أصوات المدافع.
ما الذي يجب مراقبته خلال الساعات المقبلة؟
الساعات المقبلة ستكون حاسمة لمعرفة ما إذا كان ما جرى في المنصوري حادثاً محدوداً أم بداية موجة أوسع. المؤشرات الأساسية هي استمرار عمليات الهدم، وتوسع القصف إلى بلدات إضافية، وصدور مواقف رسمية من الحكومة أو الجيش اللبناني أو قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، إضافة إلى أي معلومات عن إصابات بشرية أو أضرار إضافية.
كذلك سيكون مهماً رصد ما إذا كانت الاتصالات الدولية ستتحرك لاحتواء التصعيد. الجنوب اللبناني حساس جداً لأي تغير ميداني لأن خطوط التماس قريبة من مناطق مأهولة ولأن مستوى الثقة بين الأطراف منخفض. حادث صغير يمكن احتواؤه، لكن سلسلة حوادث متزامنة قد ترفع احتمالات سوء التقدير.
بالنسبة إلى القارئ اللبناني، الخبر لا يتعلق فقط بما حدث في بلدة واحدة. إنه يعكس السؤال الأكبر الذي يواجه الجنوب: هل يمكن الانتقال من إدارة يومية للخطر إلى استقرار يسمح بعودة الناس وإعادة بناء القرى؟ عمليات الهدم الجديدة في المنصوري تعني أن الإجابة ما زالت بعيدة عن أن تكون محسومة، وأن أي خطة لإعادة الإعمار ستظل رهينة الواقع الأمني ما لم يترافق التمويل مع وقف مستدام للأعمال العسكرية وحماية فعلية للسكان والممتلكات.
