اقتصاد

من أمن النفط إلى أمن الممرات: لماذا يدرس البيت الأبيض قانون الإنتاج الدفاعي؟

من أمن النفط إلى أمن الممرات: لماذا يدرس البيت الأبيض قانون الإنتاج الدفاعي؟


كتب محمد قاسم 

لم يعد اضطراب أسواق النفط مرتبطاً بسعر البرميل وحده. قرار البيت الأبيض دراسة استخدام قانون الإنتاج الدفاعي لتوسيع قدرة الولايات المتحدة على تكرير النفط يكشف انتقال أزمة الطاقة من مستوى التقلبات التجارية إلى مستوى الأمن القومي الأميركي، في وقت تتعرض فيه أهم بوابتين بحريتين للطاقة في الشرق الأوسط لضغط غير مسبوق: مضيق هرمز وباب المندب.

وبحسب رويترز، تبحث الإدارة الأميركية استخدام قانون الإنتاج الدفاعي لتوجيه تمويل اتحادي وزيادة كفاءة المصافي وتوسيع المنشآت القائمة، في ظل تشغيل المصافي الأميركية عند نحو 98% من طاقتها وارتفاع أسعار المشتقات النفطية.

هذه الخطوة لا تعني أن الولايات المتحدة تعاني نقصاً في النفط الخام داخل أراضيها بقدر ما تعني أن واشنطن تخشى انتقال أزمة الإمدادات العالمية إلى أزمة وقود مكرر تشمل الديزل والبنزين ووقود الطائرات.

هرمز.. الشريان الذي تقلص إلى جزء من قدرته

قبل اندلاع الأزمة الحالية، كان مضيق هرمز أكبر نقطة اختناق نفطية في العالم. وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن نحو 21.6 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل البترولية كانت تعبر المضيق في الربع الأخير من 2025.

لكن هذا الحجم انهار إلى نحو 4.9 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني من 2026 مع القيود المفروضة على الملاحة والصراع الإقليمي.

والتطور الأخطر ظهر خلال الساعات الأخيرة. فقد أظهرت بيانات تتبع السفن التي نقلتها رويترز أن عدد السفن التي عبرت هرمز في 10 سبتمبر انخفض إلى سبع سفن فقط، مقارنة بمتوسط يبلغ نحو 125 سفينة يومياً قبل الحرب.

وهذا يعني أن الحديث عن «إغلاق هرمز» يجب فهمه عملياً على أنه شبه تعطيل للممر التجاري الطبيعي، وليس بالضرورة انعداماً مطلقاً لكل حركة بحرية.

وتشير وكالة الطاقة الدولية نفسها إلى استمرار إغلاق المضيق واضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما دفعها إلى خفض توقعاتها لإمدادات النفط العالمية.

المشكلة: البديل عن هرمز يمر أمام باب المندب

هنا تظهر خطورة المشهد الحقيقي.

عندما تعطلت حركة هرمز، حاولت السعودية تحويل جزء أكبر من صادراتها عبر خط أنابيب الشرق–الغرب باتجاه ينبع على البحر الأحمر.

والنتيجة كانت ارتفاع تدفقات النفط عبر باب المندب من نحو 5.4 ملايين برميل يومياً في الربع الأخير من 2025 إلى 8.1 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني من 2026.

أي أن الأزمة في هرمز لم تلغِ اعتماد المنطقة على الممرات البحرية الضيقة؛ بل نقلت جزءاً أكبر من العبء إلى البحر الأحمر وباب المندب.

وهذه هي نقطة الضعف الاستراتيجية الأخطر:

المسار البديل لهرمز أصبح هو نفسه معرضاً للتهديد.

باب المندب يتحول من طريق بديل إلى نقطة اختناق ثانية

يقع باب المندب بين اليمن والقرن الأفريقي، ولا يتجاوز عرضه في أضيق مناطقه نحو 29 كيلومتراً.

وتشير رويترز إلى أن نحو 7% من إنتاج النفط العالمي كان يعبر المضيق في يونيو، فيما أدى التقدم الحوثي على الساحل اليمني الغربي والسيطرة على المخا إلى زيادة المخاوف من قدرة الحوثيين على ممارسة ضغط أكبر على الملاحة.

والخطر لا يحتاج بالضرورة إلى «إغلاق كامل» للمضيق.

يكفي ارتفاع احتمال استهداف ناقلة واحدة أو زرع ألغام أو استخدام صواريخ ومسيّرات بحرية حتى تبدأ شركات الشحن وشركات التأمين بإعادة تسعير المخاطر أو تجنب الطريق تماماً.

وقد حدث ذلك بالفعل منذ أواخر 2023، عندما دفعت الهجمات في البحر الأحمر شركات شحن كبرى إلى تحويل سفنها حول رأس الرجاء الصالح، ما أضاف مسافات وكلفة وأياماً أو أسابيع إلى بعض الرحلات.

كابوس المضيقين

المعضلة التي تواجه واشنطن وحلفاءها يمكن اختصارها بمسارين:

هرمز شرقاً: طريق النفط والغاز الخليجي المباشر إلى آسيا.

باب المندب غرباً: بوابة البحر الأحمر وقناة السويس، وأحد أهم البدائل المستخدمة بعد اضطراب هرمز.

إذا بقي هرمز شبه مغلق وتعرض باب المندب في الوقت نفسه لتعطيل واسع، فإن النظام العالمي للطاقة يفقد مسارين استراتيجيين في آن واحد.

عندها لن تعود المشكلة مجرد نقص في النفط الخام.

ستظهر تداعيات متسلسلة تشمل ارتفاع أجور الناقلات والتأمين، وإطالة طرق الشحن، ونقص بعض أنواع الخام في المصافي، وارتفاع أسعار الديزل ووقود الطائرات، واستنزاف المخزونات، واتساع فروقات أسعار المنتجات المكررة بين المناطق.

وقد سجلت تكاليف نقل النفط بالفعل مستويات قياسية في بعض المسارات مع تصاعد الهجمات والمخاطر حول هرمز والبحر الأحمر.

لماذا يستدعي البيت الأبيض «قانون الإنتاج الدفاعي»؟

هنا تصبح خطوة واشنطن أكثر وضوحاً.

قانون الإنتاج الدفاعي ليس أداة عادية لإدارة أسعار الوقود. فهو يمنح الحكومة الأميركية سلطات واسعة لتحديد أولويات الإنتاج والعقود وتمويل قدرات تعتبر ضرورية للأمن القومي.

استخدامه المحتمل في قطاع التكرير يعني أن الإدارة الأميركية تعمل على بناء خط دفاع داخلي ضد اضطراب خارجي قد يستمر.

فإذا أصبحت واردات بعض الخامات أو المشتقات أكثر صعوبة وكلفة، تريد واشنطن استخلاص أكبر كمية ممكنة من البنزين والديزل ووقود الطائرات من كل برميل يصل إلى المصافي الأميركية.

وبحسب رويترز، تركز المناقشات على رفع كفاءة وتوسيع المصافي القائمة بدلاً من انتظار بناء مصافٍ جديدة تستغرق سنوات.

المشكلة الأكبر: لا توجد طاقة تكرير احتياطية كبيرة

لكن هناك قيداً واضحاً.

إذا كانت المصافي الأميركية تعمل بالفعل قرب 98% من طاقتها، فإن هامش زيادة الإنتاج سريعاً محدود.

وهذا يعني أن واشنطن تحاول استخراج طاقة إضافية من نظام يقترب أصلاً من حدوده التشغيلية.

لذلك فإن قانون الإنتاج الدفاعي يستطيع تحسين الاختناقات وتمويل المعدات وتسريع المشاريع، لكنه لا يستطيع خلق ملايين البراميل من الطاقة التكريرية خلال أسابيع.

وهذه نقطة أساسية في قراءة القرار.

من أمن النفط إلى أمن الممرات

ما يحدث يمثل تحولاً استراتيجياً في مفهوم أمن الطاقة.

طوال عقود كان السؤال الأساسي:

هل توجد كميات كافية من النفط في السوق؟

أما اليوم فأصبح السؤال:

هل يستطيع النفط الوصول أصلاً إلى الأسواق والمصافي؟

يمكن أن تكون هناك ملايين البراميل داخل الخليج، لكن إذا كان هرمز معطلاً تصبح هذه البراميل محدودة القيمة التجارية ما لم تجد طريقاً بديلاً.

ويمكن نقل جزء منها غرباً إلى البحر الأحمر، لكن إذا أصبح باب المندب بدوره مهدداً، تتحول المشكلة من نقص إنتاج إلى حصار جغرافي لسلاسل الطاقة.

وهذا النوع من الأزمات أخطر من مجرد انخفاض مؤقت في الإنتاج؛ لأنه يصيب النفط والغاز والتكرير والنقل والتأمين والتجارة العالمية في الوقت نفسه.

الخلاصة

لذلك لا ينبغي قراءة دراسة البيت الأبيض استخدام قانون الإنتاج الدفاعي باعتبارها مجرد محاولة لخفض سعر البنزين الأميركي.

إنها إشارة إلى أن واشنطن تستعد لاحتمال استمرار اضطراب منظومة الطاقة العالمية.

هرمز لم يعد يعمل كالممر النفطي الذي عرفه العالم قبل الحرب، وباب المندب أصبح يحمل جزءاً متزايداً من حركة الطاقة البديلة، بينما ترتفع في الوقت نفسه المخاطر العسكرية حول البحر الأحمر.

وإذا تحول الضغط على باب المندب من خطر محتمل إلى تعطيل واسع بالتزامن مع استمرار خنق هرمز، فسيكون العالم أمام سيناريو غير مسبوق تقريباً:

اختناق متزامن للبوابتين الشرقية والغربية للطاقة الخليجية.

عندها لن يكون السؤال كم يبلغ سعر برميل النفط فقط، بل كم برميلاً يمكن نقله فعلياً، وأي مصفاة تستطيع الحصول عليه، وبأي كلفة يمكن تحويله إلى وقود يصل إلى المستهلك.

وهذا تحديداً ما يفسر لماذا بدأت واشنطن تبحث عن أدوات كانت مخصصة أصلاً لحالات الدفاع والطوارئ.

yalebnan.org — متابعة الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى